الشيخ محمد الصادقي

511

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

سورة الفتح 1 - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا بجمعية الرحمات الرحيمية لَكَ لصالحك رسوليا فَتْحاً مُبِيناً يبين حق رسالتك العظمى ، إبانة للحق كله أمام الباطل كله ، وإبانة للسلطة الزمنية الشاملة إضافة إلى السلطة الروحية الكاملة ، وهي فتح مكة المكرمة بعد هجرته ( ص ) إلى المدينة ، فتح الفتوح الذي كانوا يرتقبونه ويرغبون إليه : " وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " ( 61 : 13 ) " إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً " ( 110 : 1 ) وذلك الفتح خارقة ربانية منقطعة النظير ، عن كل بشير ونذير ، لقوائم أربع بني عليها عرش الرسالة الإسلامية . 2 - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فالغفر هو الستر كالمغفر ، رفعا أو دفعا ، والذنب هو كل ما يستوخم عقباه دنيى أو عقبى ، فالأولى أفضل الطاعات ، والثانية أرذل العصيانات ، وفتح مكة غفر رفعا كل وخامة بذنب الرسالة قبله إذ تناساها الرسول ، وغفر دفعا كل وخامة به بعد إذ لم تبق قوة لساعد الإشراك تحاربه ، بل استوثقت الجزيرة كلها وراءه بالإسلام وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بفتح عاصمة الرسالة وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً زمينا بعد الروحي ، إذ كان " لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ " قبله روحيا . 3 - وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً لا قبل له بعد ، فهل إن هذه العطيات الربانية لصاحب الرسالة العظمى هي من مخلفات ذنب العصيان ، واحدا طول رسالته " مِنْ ذَنْبِكَ " بعد ، بعدا بعيدا لفظيا ومعنويا عما أراده اللّه ! وحتى الشيطان لا يسطع على ذنب واحد متواصل . 4 - هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ فكيف لم ينزلها على " صاحبه في الغار " وهو بحاجة إليها ماسة ، بل " فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ " ( 9 : 40 ) أي الرسول فقط ! وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . 5 - لِيُدْخِلَ بسكينته الإيمانية الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ماء ولبنا وعسلا مصفى خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ " . 6 - وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ : " إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ " ( 4 : 145 ) وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ومعهم الملحدون والملحدات الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أن له أندادا اتخذهم شركاء ، وألا رسالة ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ بروزا لظنهم السوء ، تدور عليهم كما دار عليهم ظن السوء وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ عن رحماته وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً بما أساءوا من ذي قبل . 7 - وَلِلَّهِ كل جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملائكية وسواها وَكانَ اللَّهُ أزليا وأبديا عَزِيزاً لا يحتاج إلى جنود حَكِيماً قضيتها بعث الجنود وبثّهم في السماوات والأرض . 8 - إِنَّا بجمعية الرحمات الإرسالية أَرْسَلْناكَ رسالة وحيدة غير وهيدة شاهِداً للّه منه على رسالته الربانية ، ولأعمالكم بما أشهده عليها تلقيا ثم يلقيها يوم يقوم الأشهاد وَمُبَشِّراً للمؤمنين وَنَذِيراً للكافرين . 9 - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ألوهية وَ ب رَسُولِهِ رسالة وَتُعَزِّرُوهُ نصرة وَتُوَقِّرُوهُ عظمة وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا مما يدل على أن مربع الإيمان والتعزير والتوقير والتسبيح هي للّه دون رسوله إذ لا يسبّح ، اللّهم إلا على هامش الربانية ، ولكن التسبيح لا يناسب غير اللّه ، مهما ناسبه ما قبله : " فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ " ( 7 : 157 ) .